الشيخ فاضل اللنكراني

63

دراسات في الأصول ( دار التفسير )

وأمّا القسم الثاني فقد مرّ منّا أنّ النسبة بين العنوانين المتصادقين لا يختصّ بعموم من وجه ، بل العموم والخصوص المطلق والمتساويان أيضا داخل في محلّ النزاع ، وعلى هذا المبنى لا إشكال في جواز اجتماع الأمر والنهي التنزيهي في الصلاة في الحمّام ، فإنّها بما أنّها صلاة متعلّق للأمر وواجبة وأنّها صلاة مقيّدة بوقوعها في الحمّام مكروهة فهي متعلقة للنهي التنزيهي . وأمّا من أنكر دخول عموم وخصوص المطلق في محلّ النزاع مثل صاحب الفصول ، أو أنكر جواز اجتماع الأمر والنهي مثل صاحب الكفاية قدّس سرّه فلا بدّ له من جواب آخر ، وأولى الجواب ما قال به المحقّق الخراساني قدّس سرّه « 1 » وحاصله : أنّ الخصوصيّات الفردية لا مدخلية لها في المأمور به ، ولكن الشارع حين وجّه الأمر بإقامة الصلاة لاحظ أنّ المكلّف غافل وجاهل بالفرق الموجود بين الصلاة في الحمّام والصلاة في المسجد والصلاة في الدار مثلا ، وأنّ صلاة ذي المصلحة إذا لوحظت مع الخصوصيّات الفرديّة بعضها توجب حزازة ومنقصة في المصلحة ، وبعضها توجب زيادتها ، وبعضها لا توجب التغيير فيها . فلذا يقول الشارع في مقام إرشاد المكلّف إلى هذه الواقعيّة بأنّه لا تصلّ في الحمام ، ليس معناه حكما مولويّا كراهيّا ، بل إرشاد إلى أنّ وقوع الصلاة في المكان المذكور يوجب المنقصة في مصلحتها ، وهكذا معنى صلّ في المسجد ليس حكما مولويّا استحبابيّا بل إرشاد إلى أنّ إتيانها فيه يوجب زيادة المصلحة ، وما نقول بامتناع اجتماعه هاهنا عبارة عن اجتماع حكمين مولويّين ، ولا مانع من اجتماع الحكم المولوي مع الحكم الإرشادي ، فلا ينطبق الدليل مع المدّعى ؛ إذ لا يتحقّق الحكمان هاهنا في الحقيقة ، كأنّ الشارع يقول : إن كنت تريد زيادة المصلحة فصلّ في المسجد ، وإن كنت تريد عدم نقصانها فلا تصلّ في الحمّام .

--> ( 1 ) انظر المصدر السابق : 255 - 256 .